عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

123

اللباب في علوم الكتاب

احْكُمْ بِالْحَقِّ [ الأنبياء : 111 ] وقوله : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [ غافر : 7 ] . الثاني : أنّ وعد اللّه لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم ، بل بحسب أوصافهم ، فإنه - تعالى - وعد المتقين بالثواب ، ووعد الفسّاق بالعقاب ، فقوله : وَآتِنا ما وَعَدْتَنا معناه : وفّقنا للأعمال التي نصير بها أهلا لوعدك ، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب والخزي . الثالث : أن اللّه - تعالى - وعد المؤمنين بأن ينصرهم في الدّنيا على أعدائهم ، فهم طلبوا تعجيل ذلك . فصل [ في دلالة هذه الآية ] فصل دلّت الآية على أنّهم إنّما طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق ؛ لقولهم : وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ثم قالوا : إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ وهذا يدلّ على أنّ المقتضي لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق . فإن قيل : متى حصل الثواب لزم اندفاع العقاب لا محالة ، فلما طلبوا الثّواب بقولهم : وَآتِنا ما وَعَدْتَنا كيف طلبوا ترك العقاب بقولهم : وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ بل لو طلب ترك العقاب - أولا - ثم طلب الثّواب بعده لاستقام الكلام ؟ فالجواب من وجهين : الأول : أن الثّواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور ، فقوله : وَآتِنا ما وَعَدْتَنا المراد منه المنافع وقوله : وَلا تُخْزِنا المراد منه التعظيم . الثاني : ما تقدم من أنّ المقصود طلب التوفيق إلى الطاعة ، والعصمة عن المعصية ، كأنه قيل : وفقنا للطاعات ، وإذا وفقتنا فاعصمنا عما يبطلها ، ويوقعنا في الخزي . وعلى هذا يحسن النظم . و « الميعاد » مصدر بمعنى الوعد . قوله : يَوْمَ الْقِيامَةِ فيه وجهان : الأول : أنه منصوب ب وَلا تُخْزِنا . والثّاني : أنه أجاز أبو حيّان أن يكون من باب الإعمال ؛ إذ يصلح أن يكون منصوبا ب وَلا تُخْزِنا وب وَآتِنا ما وَعَدْتَنا إذا كان الموعود به الجنة . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 195 ] فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ ( 195 ) فَاسْتَجابَ بمعنى : أجاب ويتعدى بنفسه وباللام ، وتقدم تحقيقه في قوله : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي .